الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
279
شرح ديوان ابن الفارض
[ اللغز الثاني ] وقال رحمه اللّه تعالى ملغزا في حنطة : ما اسم قوت يعزى لأوّل حرف منه بئر بطيبة مشهوره ثمّ تصحيفها لثانيه مأوى ولنا مركب وباقيه سوره [ الاعراب والمعنى ] اعلم أن هذا اللغز « في حنطة » وذلك أن الحرف الأول حاء ، وفي المدينة المنوّرة بئر يقال له بير حاء ، فلذلك قال « يعزى » أي ينسب من العزو ، وهو النسبة هذا ما ذكره المحدثون ، ولكن قال في القاموس وبيرحى كفيعلى أرض بالمدينة المنوّرة ، ويصحفها المحدثون بئر حاء ، انتهى . فما ذكره الأستاذ رحمه اللّه مبني على ما قاله المحدثون . وقال في القاموس عند ذكر حرف الهجاء الحاء حرف هجاء ويمدّ ، واسم رجل نسب إليه بئر حاء بالمدينة المنوّرة ، وقد يقصر والصواب بيرحى كفيعلى وقد تقدم انتهى . وقوله « ثم » التي هي أحد حروف العطف للترتيب والتراخي ، وهي مبتدأ أول لإرادة لفظها وتصحيفها مبتدأ ثان . و « مأوى » خبر المبتدأ الثاني والصغرى خبر المبتدأ الأول . و « لثانيه » متعلق بقوله مأوى تعلق الصفة المتقدّمة على موصوفها ، والمراد من تصحيف ثم يم وهو البحر ، وثانيه أي ثاني ذلك القوت نون ، ولا شك أن البحر مأوى للنون إذ هو بمعنى الحوت ، واليم مركب لنا لأن الناس يركبونه حيث يسيرون في السفينة . وقوله « باقيه سورة » يريد ما بقي من لفظة حنطة بعد ذهاب الحاء والنون والباقي الطاء والهاء ، وإذا مددت كلّا من الحرفين المذكورين كان اسما للسورة المعروفة تحت مريم ، ولو أبقيت الحرفين على صورتهما بعد حذف الحرفين الأولين من غير مدّ كان اسم السورة حاصلا على أحد القراءات ، وقد علمت أن الألغاز يتسامح في بعض تصرفاتها . ( ن ) : قوله اسم قوت هو حنطة كناية عن الطبيعة الكلية المنقسمة إلى حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة ، فإنه نشأ عنها في جوف فلك القمر العناصر الأربعة النار والهواء والماء والتراب ، وتركب من هذه العناصر المواليد الأربعة الجماد والنبات والحيوان والإنسان ، فإذا انحلت هذه التراكيب رجعت إلى العناصر ، والعناصر إلى الطبائع ، والطبائع إلى الطبيعة الكلية ، وهي السارية في جميع هذه المواد والمركبات وبها يقتات الكل ، فهي المكنى عنها هنا بالحنطة ، وظهورها في أربع مثل حروف حنطة ، فإنها أربع وبعد الموت ترجع المولدات المذكورة إلى مثل صورها من الطبيعة بعد تفرق عناصرها ، والحرف الأول الذي يعزى إليه البئر بطيبة هو الحاء أول عالم الطبيعة لاقتضائه الهبوط من العالم الروحاني كالبئر قال تعالى : وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ